البغوي
79
شرح السنة
التَّشْبِيهُ . وَالسُّلْتُ : حَبٌّ لَا قِشْرَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ : « أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ » سُؤَالُ تَقْرِيرٍ لِيُنَبِّهَهُمْ بِهِ عَلَى عِلّة الْحُكْمِ ، لَا سُؤَالُ اسْتِفْهَامٍ ، لأَنَّ انْتِقَاصَ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْمَطْعُومِ بِجِنْسِهِ ، وَأَحَدُهُمَا رُطَبٌ وَالآخَرُ يَابِسٌ ، مِثْلُ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَاللَّحْمِ الرُّطَبِ بِالْقَدِيدِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ . وَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالْعِنَبِ ، فَلَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ » فَاعْتَبَرَ التَّفَاوُتَ الَّذِي يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُتَعَقَّبِ عِنْدَ جَفَافِ الرُّطَبِ فِي مَنْعِ الْعَقْدِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ ، لأَنَّهُمَا فِي الْمُتَعَقَّبِ مَجْهُولا الْمِثْلِ تَمْرًا ، وَجَوَّزَهُ الآخَرُونَ . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ ، وَهُمَا رُطَبَانِ ، فَإِنْ كَانَا قَدِيدَيْنِ يَجُوزُ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبُ بِالزَّبِيبِ . وَلا يَجُوزُ بَيْعُ مَطْعُومٍ مَطْبُوخٍ بِجِنْسِهِ مَطْبُوخًا وَلا نَيِّئًا ، وَيَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ ، وَالْبُرِّ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ نُدُوَّةٌ لَوْ زَالَتْ لَظَهَرَ النُّقْصَانُ فِي الْكَيْلِ ، فَلا يَجُوزُ كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ ، وَخَلِّهِ بِخَلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْخَلَّيْنِ أَوْ فِيهِمَا مَاءٌ ، لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَلِكَ جَوَّزَ بَيْعَ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ ، وَالدُّهْنِ بِالدُّهْنِ ، مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْكَيْلِ ،